الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي

164

الاجتهاد والتقليد

الواجب أعمّ من أن يكون قطعه حراما أم لا ، والدليل على فرض تماميّته ، إنّما دلّ على لزوم التكليف بأمرين متضادّين في آن واحد على فرض صحّة دخوله في العبادة ، وهذا إنّما يتمّ فيما كان العبادة واجبة وقطعه حراما ، كما في الصلاة المفروضة ؛ وأمّا في المندوبات والواجب الذي لم يحرم قطعه كالوضوء ، فالأمر بالتحصيل حينئذ موجود وليس مأمورا بالإتمام بالأمر الفوري . نعم ، يتمّ الكلام في هذين القسمين من فساد العمل لو قلنا : إنّ الأمر بالشيء وهو التحصيل يقتضي النهي عن ضدّه وهو إتمام العمل ، فبعد ما كان الإتمام منهيّا عنه فيكون العبادة فاسدة ، وثبت المطلوب من عدم إمكان مطابقة عمل الجاهل للواقع ، لكن بعد ما عرفت أنّ بناءنا على أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه ، لا يبقى لهذا الكلام مساق . وثانيا : فنقول : سلّمنا تماميّة الدليل في جميع الأقسام الثلاثة ، لكن في المقام بعد دخول الجاهل في العبادة أوامر أربعة : أحدها : الأمر بالصلاة مثلا ، وهذا الأمر موسّع . والثاني : الأمر الفوري بالإتمام المستفاد من قوله تعالى لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ . والثالث : الأمر بالتحصيل ، وهو مطلق . والرابع : الأمر الفوري بالتحصيل . ولا تضادّ بين واحد منها وبين الآخر إلّا بين أمرين ، أحدهما الأمر الفوري بالإتمام والثاني الأمر الفوري بالتحصيل ، واستراح الفاضل القمي رحمه اللّه عن هذا الإشكال من لزوم التكليف بما لا يطاق حينئذ ، بالقول بأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ؛ وأمّا على مختارنا من منافاته له فيشكل الأمر ظاهرا ، لكن نقول : إنّ الدليلين الدالّين على هذين الأمرين المتنافيين على الأمرين الفوريّين المضادّين ، إمّا قطعيّان وإمّا ظنّيان وإمّا مختلفان ، فهذه صور أربعة ، لا يلزم فساد العبادة باعتبار لزوم التكليف بما لا يطاق في واحدة منها .